العُظمَاء يسرِقوُن.. عَن بابلوُ بِيكاسوُ، التنَاص الفَني والأصَالةِ.
الفَن لا يُعاد تدويرَة، بَل يُعاد تمرِيرَه.. بَحثٌ يتساءَل فِيه عن أصالة الأعمَال الفنِية..

منذُ بضعِ أسابيعٍ وكطالبة فنونٍ جَميلة، طُلِبَ مِني بَحثٌ ورقِي عَن حركةِ ‘التَكعيبيَة’ الفِنية ومنهَا بالتَالي تحتَم عليّ التَقصِي عن حَياةِ بابلوُ بيكاسوُ ودراسَةِ مُعظمِ أعمَاله.
إلتهَمتُ كُلَ ورقَةٍ بحثِية لمحتُ فِيهَا حروفَ إسمَه، حتىَ استوقَفني مَقالٌ مَا عنهُ علىَ الإنترنِت— مقَالٌ لم يُدرِك ذهِني الدوامَة التِي سيبتلعِني داخِلهَا، بعنوَان:
‘هَل سرقَ بابلوُ بِيكاسوُ مِنَ الفنَانِينَ الأفارِقَة؟، استِكشاف جذوُر الفَنِ الحَديث.’
فِي بادِيء الأمرِ ابتغَيتُ تكذيب ما قرأت بأمِ عيني، ولكِن معَ توالي قرائتِي للمقَال، وانتقَالي لحفنَةٍ مِن مواقعِ التصُفح الأخرىَ.. ثوبُ الأصَالةِ الذي ارتداهُ بيكاسوُ فِي ذهنِي، مالبُثَ حتى بدأ فِي فُقدانِ بياضِه النَاصِع، خاصَةً بعدَ إعترافهِ شخصيًا أن ‘الأقنعَةِ الأفريقيَة’ لهَا تأثيرٌ تحويِلي على تفكيِره الفَني.
فِي عَامِ ١٩٠٧ زارَ بيكاسوُ متحَف عِلم الأعرَاق فِي تروُكادِيرو، بارِيس.. المَتحفُ الذِي كانَ يتِم جمَع القطِع الأثريَةِ الأفريقيَة فِيه وعرِضهَا تحتَ الحُكمِ الإستعمَاري.
ومِن بعدهَا ببضعِ أشهُرٍ، أعدَ لوحتهُ الشَهِيرَة، التِي سيَؤكِد لكَ أي مُؤرخٍ فني أنهَا كانَت حَجرُ الأساسِ الأوَل لأسلوُبهِ التَكعيِبي ‘آنِسَات أفنِيونْ’.
بتَحليلِ المرأتِين ذوِي الوجوهِ الفَريدة على الجانِب الأيمَنِ من اللوحَة، يُمكِن رؤيَةِ أنَ المرأةِ في الزاوَيةِ العُليَا يَمسُ محياهَا أقنعَة قبيلَة ‘دَان’ في ساحِل العَاج، أما عَن المرأةِ أدناهَا، تُظهر ملامحهَا الهندسيَة والمُدبَبة تشابُهًا مُذهِلًا معَ قناعِ ‘موبيَا’ لشعِب بندِي.
علىَ مدىَ السنوَاتِ التاليَة، واصَل بيكاسوُ بعدهَا الاقترَاض من الفَن الأفريقِي سواءً فِي لوحاتِه الزيتيَة، او المائِية او حتىَ منحوتاتهِ التِي جردَ فيهَا الوجوه الي أشكالٍ هندسيَة جمعَ فيها بينَ الأسلوُبِ الغربِي والوسَط أفريقي.
ومن بعدَ سلسَلةِ المعَلومِاتِ الصادِمَة هذهِ، سُرعَان ما تذكَرتُ اقتبَاسهُ الشَهِير:
«الفنَانوُن الجَيِدوُن يُقلِدوُن، أمَا عَن العُظمَاءِ منهم فَيسرقوُن.» — بَابلوُ بِيكاسوُ.
‘أكانَ هذَا اعترافٌ صريحٌ مِنه؟’.. فكرَت، وبُغتَةً بدأت صورتَهُ بالتصَدُعِ في ذهنِي— شظايَا الإعجَابِ تتساقَطُ رويدًا، واحدةً تل والأخرىَ، حَيثُ أنَ فعلةِ بيكاسوُ هذهِ، تُعَد في نَظرِ البَعضِ أيضًا نوعًا مِن ‘الاستلَابِ الثقَافِي’، ومعَ استكمالِي لبحثِي، أدركتُ أنَ حتىَ الإقتباسَ المَذكور سابِقًا لم يَكُن حقًا خاصًا بِه!.
أعنِي مَن مِنَا لم يسمَع المَقولة السابقَة هذهِ مرَةً واحدَةً فِي حياتِه؟، سواءً مرَت عليهِ فِي فيلمٍ أجنَبي، أو سمعهَا مِن ستِيف جُوبز عِندمَا ردَدهَا مرَةً فِي إحدىَ مُقابلاته، غَيرُ مُدركٍ أنَ هذَا الإقتباسَ، بيكاسوُ نفسَهُ لم يَكن أولَ مَن قاله، بَل يَعوُد أصل هذهِ المقُولَة للشاعِر تـ. سـ. إليوُت، الذِي عبرَ عَن نَفس الفكِرة بصيغَةٍ مُختلفةٍ وأعمَقٍ قائِلًا:
«الشُعرَاء غَير الناضجِين يقلدوُن، الشُعراء الناضِجونَ يسرقوُن، والشُعراءِ الرَديئونَ يشوهِونَ ما يأخذونَه، أمَا الجَيدون، يحولونه إلىَ شيءٍ أفضَل أو علىَ الأقَلِ مُختَلف..» — وردَت فِي مقَالتِه ‘الغابَة المُقدسَة’ ١٩٢٠ مـ.
والتِي بدورهَا، وضعَ سينِيكا أساسهَا عندمَا قَال: ‘عَلينَا أن نُقلِد النَحل، الذِي يجمَع الرَحيق من أزهَارٍ مُختلفَة ثمَ يحولهُ إلىَ عسَلٍ خاصٍ بِه.’
وهذَا يدفعُنِي للتساؤُل، هَل الفَنُ الذِي نعهدَهُ حاليًا ليسَ سِوىَ سلسلةٍ مُتتاليَة من السرِقَات؟.. كم مِن فنَانٍ عَظيمٍ كبيكاسوُ أعمالهُ وليدَةُ أعمَالٍ أقدَم؟، ألا وجودَ للأصالةِ الفكريَة؟.
بكَلِمَاتٍ آخرىَ هَل كُل أعمَال الفَنِ الحاليَة، سواءً كانَت مِنَ الأفلامِ أو الأغانِي أو الرِوايَاتِ مَبنِيةٌ علىَ ما قبِلهَا فقَط؟
أعنِي، يبقىَ السُؤال الذِي يُراودنِي —ويتربَصُ بنَا كافَةً—، ألَا شيءَ جَديد بتاتًا؟.
إن قِيلَ كُل مَا قَد يُقَال، وقُرأ كُل ما قَد يُروىَ.. لمَا لازِلنَا نتأثَرُ بالفَنِ بشكلٍ عَام، لِمَا تسلب لوحَةٌ مَا أنفاسنَا أو تُبكِينَا أغنَيةٌ، أو فِيلم، أو يعلَق كِتابٌ مَا فِي ذهنِنَا دونَ مخرجٍ له؟.
بالأحرىَ لمَا نتشبَثُ بعمَلٍ معينٍ، ظنًا مِنَا أنهُ مُختلفٍ فِي حينِ أنهُ إنْ دقنَنا وفكَكنا خيوُطه عن بعضهَا بعضًا، غالِبًا سنُدرِك أنَ فكرتهُ ليسَت جديدَة كليًا.
وفِي الحَقيِقة هذهِ النَظرِية ليسَت محَض خيالٍ بَحت، بَل تتعشَبُ جذورهَا وفرُوعهَا فِي الفلسفَة، علم النَفِس وحتىِ فِي الأدَب، لم تنشَأ فِي الفنِ فقَط.
بدايةً يطرَح الفَيلسوُف والنَاقِد الفَنِي آرِثر كُولمَان دانتو ما يُعرف بنظرية ‘نهَايةِ الفَن’ ولَا يعنِيهَا بالمَعنىَ الحَرفِي، بَل يزعَم أنَهُ لم يَعُد هُناكَ اتجَاةٌ جَديد فَني ليُكتشَف، أو بمعنىَ أنَ الفَن لم يَعُد مُقيدًا بقوانِينٍ مُعينَة.. لَم يعُد الفنَان يَسير فِي بحرٍ مَجهوُل، بَل يغوُص فِي مَا هُو موجودٌ بالفعل ويمكِن أن يختَار منه شاطئَهُ الذِي سَيرسو عليه.
ثُمَ فِي الأدب، يظهر مفهوم ‘التنَاص’، الذِي يُفيدُ بأنَ لا يوجد نصٌّ مستقل بذاته، بل كل نص هو امتداد، انعكاس، أو حتى تحدٍّ لنصوُصٍ آخرىَ سبقَتهُ.
وفِي علمِ النَفسِ قِيلَ أيضًا أنَ العَقل البَشرِي، لا يَخِلقُ مِنَ العدَم، بَل يُعيدُ تَركِيبَ ما يَعرفُه. الإبداع، وفقًا لبعض النظريات، هو عملية دمج— سواءَ أفكارً قَدِيمَة، تجَارِبٌ شخصية، إلَخ..— فِي قَالبٍ جَديدٍ شَخصِي.
ويُمكِنُ رؤيَة هذَا بشكلٍ أوضحٍ في بدايَات الفَنِ قديمًا، حَيثُ بدأ الفنَانوَن سواءَ الإغريقييِن، أو الأشوُريين، أو حتىَ المِصرييِن القُدمَاء، بأخذِ إلهَامهُم مِمَا هُوَ موجودٌ حولهُم بالفِعل.. سواءَ عندَ نحتهِم لنفسِهم، للحيوانَات أو حتىَ رَسمهِم للنباتَاتِ.
وَيَبدوُ أنَ هذَا بالفعِل مَا قصدهُ تـ. سـ. إليوت، لا حين تحدث عَن ‘السَرقِة’ بوصفها نقلًا، بل بوصفها تحويلًا، فقَد عنىَ، –تمامًا كمَا قالَ سينِيكَا أيضًا–، أن الفنَان يَفشل عِندمَا يأخُذ بشكلٍ عميَانِي فقَط، أي يَسرِق، نَقيضُ الفنَانِ ‘الجَيد’ الذِي لا يكتفي بالأخِذ أو الإستِلهَامِ فقَط، بل يُعيد صياغة ما يأخذه إلى درَجةٍ يُصبِح فِيهَا العمَل الجَديد مُنفصِلًا عَن أصلِه حتىَ لو تشابَه فِي جذوُره.. أي عِندَ وضع الفنَانِ بصمتهِ فِيه، سواءَ كانَت إحدىَ ذكرياتِه، او موُقفٍ من حياتهِ مرَ بِه.
ولكِنْ هَل هذَا تَبريرٌ منهُم أو تَشجيع علىَ السَرقة؟.. مِن وجِهةِ نَظري، حديثُ إليوُت فِي لُبهِ ليسَ دعوَةً علىَ النَقل، ومِن وجهةِ نظري أيضًا موضُوع المَقال ذاتهُ شائِكٌ ويُطال شرحَه، إذ أنَ لا توُجَد إجابةٌ مُباشرَة، واحدة، شافيَة.
المسألَةُ ليسَت فِي فعلِ ‘الأخذ’ ذاتَه، بَل في كَيفيةِ تحويلَهُ.. فِي ما يُفعَل بِه.
لطالمَا إستعَار الفنَانوُنَ من فنانِين أخرِين.. يُمكن رُؤية هذَا فِي قِصةِ الفنَان بوُل سيجَان، فعندمَا كانَ في الثامنَة من عمره ورأىَ أعمَال مونِيه، لوحاتهُ الأولَيه قبلَ ان يتشكَل أسلوبَه كانَت تحمِلُ لمسَاتِ مدرسةِ ‘الإنطباعيَة’.. ثُمَ وبعدَ مُقابلتهِ لجورج سورَات عام ١٨٨٤، تطورَ اسلوُب التَنقيطيَة لدَيه… فِي وقتٍ لاحِق بعدهَا، تعرفَ سورَات علىَ ڤان جوُخ، وبدأ يرسِمَان معًا علىَ طوُل نهرِ السِين، ممَا أثرَ علىَ ضربَاتِ فُرشاة الأخِير في أعمَاله… ثُمَ في عَام ١٩٠١، أثناءَ مرحلةِ بيكاسوُ الزرقَاء، يُمكن رؤيَه مدىَ تأثره بڤان جوُخ في أولىَ لوحاتهِ.. خاصةً لوحَة موُت كاسَاجيمَاس.
فَيبدوُ لوهَلةٍ انَ هذهِ دائرَةً مُغلقَةٍ لا مفرَ مِنها.. وشجرَة الفنِ او الأدَب، تتفرَعُ جذورهَا في شتىَ البِقاع.
بعد كُل هذَا، مَا يُمكِن الإجمَاع عليهِ حاليًا، —والسؤال الأكثِر الحاحًا—، مَا الذِي يجَعلُ العمَل أصلِي إن كانَ فِي صَميمهِ ستتشابَهُ وتتشابَك أطرافًا مِنه معَ أجسَاِدِ أعمَالٍ آخرىَ؟.
ما توصلتُ له، وما يُمكن القَولُ أنهُ واضِحٌ تمامًا كصفَاءِ الكرِيستَال لدرَجةٍ يسهىَ المرَء عَن إبصارِه..
هُو أن أصَالةُ الفَنِ تَكمنُ فِي أنهُ فِعلٌ قَابِلٌ للتشكُل..
الفَن حقيقةً لا يُعَاد تَدويرُه، بَل يُعَاد تمرِيرُه..
كمِشعَلٍ مُضيِءٍ تتناقَلهُ الأيَادِي علهَا تُنِير بهِ السَبيل، جِيلٌ يُسلمِ جِيل.. رسامٍ، ثُم كَاتبٍ، ثُمَ مُخرجٍ ثُمَ فنَانٍ.
التُربَةُ ذاتهَا والبذوُر ذاتَها التِي تُنبِتُ ذاتَ الثِمَارِ.. ينتهِي بهَا الأمرُ أطبَاقًا وطبخَاتٍ شديدَةُ التفَردِ من نوعهَا.. فحتىَ إن تشابهَت الفواكِه والخُضرَة، اليَدُ والأنامِل التِي تَطهيهَا قادِرةٌ علىَ أنْ تُحولهَا لمَا هوَ مُغايرٍ وَنَفِيس، ولن تُخرجهَا تمامًا كمَا هىَ، كلٌ له لمستُه الخاصَة.
لذَا يا عزيِزي القارِئ في خِتامِ هذَا المَقال أتمنىَ أن تَعي حقيقَة أنَ الفَن رُبمَا حقًا لَا يتقوَلب، رُبمَا ليسَ مُحاولَةٌ لإبتكَارِ شيءٍ جَديد كُليًا لم يُشهد لهُ مَثِيل.. بَل قَد يَكوُن رسالة قديمَة تبتَغي أن تُصاغَ بطريقَةٍ لم يتوقعهَا أحَدٌ ولم يَقلهَا من قَبل.
صحيحٌ أن القَصِص قَد تتشابَه، ولكِن ما لَا يُمَس ولا يُقلد، هِىَ الأروَاحِ التِي تَرويهَا.
ليسَ كُل تأثُرٍ سرقَة، ولَا كُل إبداعٍ نقلًا، ولا كُل أخذٍ فُقدانِ للهويَة.. كمَا أنهُ لا وجودَ لعملٍ أصلِي بشَكلٍ مُطلَق.. ما يُميز الفَن، هوَ تراقصُ فنانيِه علىَ حافَةِ الوَصل بينَ كُل هذهِ السبُل، دوُنَ أن يَغرقوُا فِي أيًّ مِنهَا بشَكلٍ كامِل.
شُكرًا لقراءَة المقَال اتمنىَ ان تكونوا استمتعتُم يه!، لازِلتُ حقًا أبحَث عن هذا الموضوع ولايزَال يُثير فضولِي، أردتُ فقَط التَنويه على أنِي لا أشجِع علىَ السرقَة.. بَل كانَ هذا تساؤلٌ راودنَي اثناء كتابتِي لورقتِي البحثِية الجامعِية!.
للمَزيدِ يمكنُ متابعَة حسابِي على الانستجرَام، حيث في هايلَايتٍ خاص سأضَع المقالات التِي قرأتها وروابِط المواقِع التِي زُرتها اثناءَ بحثي، كُل الحُب، نَ.




تعرفين وش الفرق بين "خالق" و "فاطر" ؟
خالق، يعني يصنع شي من شي موجود، زينا نحن البشر، خلقنا من الطين الي كان موجود قبلنا، والشياطين خلقت من النار الي كانت موجودة قبلهم.
أما فاطر، فهي تعني خلق شي من العدم، ما كان له وجود من قبل، زي النار بحد ذاتها، ولهذا يسمون الفطر "فطر" ؛ لأنه ينمو من دون بذور وبدون سبب ومن العدم.
ما حد في الوجود كله يقدر يكون "فاطر" ويخرج شي من العدم غير الله، أما نحن، نحن نخلق، نصنع شي من شي آخر موجود، ولهذا قال الله "فتبارك الله أحسن الخالقين"؛ لأنه ثمة خالقين آخرين غيره.
رغم هذا، في شي يسمى "جديد كليًا" في الفن. فمثلًا قصة دراكولا ما كانت شي قد كتب عنه شخص قبل برام ستوكر، بأي شكل من الأشكال، لكنه استلهم الفكرة من فلاد الثالث المخوزق القاسي، ومن أساطير أوروبا الشرقية عن كائن يشرب الدماء، فصنع هذه التحفة الفنية الي لازالت مشهورة حتى الآن.
انتي ممكن ما تجيبي شي من العدم، لكن تقدري تبدعي بفكرة ما قد جابها أحد، وتبدو وكأنها الأولى من نوعها، وتظل مستلهمة من حدث أو شي حولك.
أحببتُ كلامك جدًا!